محمد بن جرير الطبري
456
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ثم إن أبا عبيد ندم حين نزلوا به وقالوا : اما ان تعبروا إلينا واما ان نعبر ، فحلف ليقطعن الفرات إليهم ، وليمحصن ما صنع ، فناشده سليط بن قيس ووجوه الناس ، وقالوا : ان العرب لم تلق مثل جنود فارس مذ كانوا ، وانهم قد حفلوا لنا واستقبلونا من الزهاء والعدة بما لم يلقنا به أحد منهم وقد نزلت منزلا لنا فيه مجال وملجأ ومرجع ، من فره إلى كره فقال : لا افعل ، جبنت والله ! وكان الرسول فيما بين ذي الحاجب وأبى عبيد مردان شاه الخصي ، فأخبرهم ان أهل فارس قد عيروهم ، فازداد أبو عبيد محكا ، ورد على أصحابه الرأي ، وجبن سليطا ، فقال : سليط : انا والله اجرا منك نفسا ، وقد أشرنا عليك الرأي فستعلم ! كتب إلى السرى بن يحيى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن النضر بن السرى ، عن الأغر العجلي ، قال : اقبل ذو الحاجب حتى وقف على شاطئ الفرات بقس الناطف ، وأبو عبيد معسكر على شاطئ الفرات بالمروحة فقال : اما ان تعبروا إلينا واما ان نعبر إليكم فقال أبو عبيد : بل نعبر إليكم فعقد ابن صلوبا الجسر للفريقين جميعا ، وقبل ذلك ما قد رأت دومه امراه أبى عبيد رؤيا وهي بالمروحة ، ان رجلا نزل من السماء بإناء فيه شراب ، فشرب أبو عبيد وجبر في أناس من أهله ، فأخبرت بها أبا عبيد ، فقال : هذه الشهادة ، وعهد أبو عبيد إلى الناس ، فقال : ان قتلت فعلى الناس جبر ، فان قتل فعليكم فلان ، حتى امر الذين شربوا من الإناء على الولاء من كلامه ثم قال : ان قتل أبو القاسم فعليكم المثنى ، ثم نهد بالناس فعبر وعبروا إليهم ، وعضلت الأرض بأهلها ، والحم الناس الحرب . فلما نظرت الخيول إلى الفيله عليها النخل ، والخيل عليها التجافيف والفرسان عليهم الشعر رأت شيئا منكرا لم تكن ترى مثله ، فجعل المسلمون إذا حملوا عليهم لم تقدم خيولهم ، وإذا حملوا على المسلمين بالفيله والجلاجل فرقت بين كراديسهم ، لا تقوم لها الخيل الا على نفار وخزقهم الفرس